شبكة مراغه الأصاله والتاريخ



 
الرئيسيةالموقع الرئيسى للشبكةصفحتنا على الفيس بوكالصفحه الرئيسيهالصحف السودانيهالمصحف الشريفالتسجيلدخول

إدارة شبكة ومنتديات مراغه : ترحب بكل أعضائها الجدد وتتمنى لهم أسعد الأوقات بيننا شرفتونا بإنضمامكم لنا ونتمنى مشاهدة نشاطكم ومساهماتكم التي سوف تكون محل تقديرنا واهتمامنا أهلا وسهلا وحبابكم عشرة بين اخوانكم وأخواتكم

شبكة مراغه الأصاله والتاريخ نحو سعيها للتواصل مع أعضائها الكرام فى كل مكان وزمان تقدم لكم تطبيق شبكة مراغه للهواتف الذكيه فقط قم بالضغط على الرابط وسيتم تنزيل التطبيق على جهازك وبعد ذلك قم بتثبيته لتكون فى تواصل مستمر ومباشر مع إخوانك وأخواتك على شبكتنا.

شاطر | 
 

 انت لى (حلقات متواصله)

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
بايعة الكسره
 
 
avatar

الموقع : khartoum
عدد المساهمات : 749
تاريخ التسجيل : 16/03/2011

مُساهمةموضوع: انت لى (الحلقة الخامسة عشر)   الجمعة 06 يناير 2012, 2:44 pm

أمسكت بقطعة الزجاج بين إصبعي و انتزعتها بعنف و رغد تصرخ بشدة بعد ذلك سحبتها من يدها لنستوي واقفين و طرت راكضا ممسكا بالفتاتين عنوة.
رغد كانت تصرخ ألما و تركض على أطراف أصابع قدمها المصابة فيما الدماء تقطر منها و تهتف:"لاأستطيع آي لا أستطيع "
ما أبطأ سرعة انطلاقنا. ثم عادت و هوت أرضا من جديد.و ضغطت على قدمها المصابة بيدها الحرة."انهضي رغد بسرعة "
"لا أستطيع. . قدمي تؤلمي. . آي. . تؤلمني بشدة. . لا أستطيع "
"هيا يا رغد لننج بأنفسنا "
"لا أستطيع. . كلا "
لأن أفكر، لا مجال، لأن أتردد لا مجال، لكي أنجو بحياتي و حياة شقيقتي و حبيبتي. سأقدم على أي شيء.
انتشلت صغيرتي من على الأرض بذراعي و حملتها على كتفي .وجهها إلى ظهري و قدماها إلى أمامي. منكبة على رأسها.
هتفت:"تشبثي بي جيدا "
و أنا أطبق عليها بقوة بإحدى يدي ّ خشية أن تنزلق، فيما أمسك بشقيقتي باليد الأخرى ، ثم أسابق الريح.تارة أزيد وتارة أخفف السرعة.ألتقط بعض الأنفاس و أسمح لشقيقتي بتنفس الصعداء.كان الإعياء قد أصابنا و نال منا ما نال حين رفعت بصري إلى السماء فلم أبصر أية طائرة و أصغيت أذني فلم أسمع أي ضجيج.وتفلت من حولي فوجدت الناس متهالكين على الشارع و معظمهم مضطجعين هنا أو هناك.من فرط التعب و نفاذ الطاقة.انحرفت يسارا و خرجت عن الشارع إلى الرمال على حافته.وهويت جاثيا على الأرض.حررت رغد و دانة من بين يدي و ارتميت على الرمال منكبا على وجهي و أخذت أتنفس بقوّة.تجعل ذرات الرمل و الغبار المتطايرة من حولي تقتحم فمي مع تيارات الهواء.أخذت أسعل و أتحشرج.و قد أغلقت عيني لأحميهما من الغبار.لزمت وضعي هذا لدقيقتين دون حراك.فجسدي كان منهكا جدا و بحاجة إلى كمية أكبر من الأوكسجين ليطرد غازاته الضارة خارجا.عندما فتحت عيني ّ و نظرت يمنة و يسرة رأيت الفتاتين مرتميتين على الرمال مثلي.دانة متمددة على ظهرها تتنفس بسرعة ، و رغد جالسة تمسّد قدمها المصابة و تئن ألما.لم أجد في جسدي من الطاقة ما يمكنني الآن من النهوض.
الشمس كانت قد أرسلت أول جيوش أشعتها الذهبية الباهتة لتغزو السماء و تطرد الظلام. و شيئا فشيئا بدأت تحتل السماء. وتنير الكون. وتكشف ما كان خافيا و تفضح ما كان مستورا.جلست بعدما استرددت بعض قواي. وأنا أراقب رغد المتألمة.المكشوفة الرأس.
كان الجرح لا يزال ينزف. و الدماء سقت الرمال. كما لطخت ملابس رغد بل و وجدت بقعا منها على ملابسي أنا أيضا.فقد كانت تقطر و أنا أحملها. "دعيني أرى "قلت ذلك و قرّبت وجهي من قدمها أتأمل الجرح العميق. و ما علق به من الرمال و الشظايا و الأتربة.مسحت ما حولي بنظرة سريعة فلم أجد ما أغطي به هذا الجرح النازف.نفس القميص الذي كانت دانة تختمر به ، نزعت أحد كمّيه و لففته حول قدم رغد.كما لففت خمارها حول رأسها بنفسي.
دانة قالت بعد ذلك بانهيار:"ماذا يحدث برب السماء؟؟ فليخبرني أحد هل هذه حقيقة؟؟ لماذا فعلوا هذا بنا؟؟ما حلّ بنوّار؟؟وسامر؟؟ "
و أجهشت بكاء و نواحا فضممتها إلى صدري أحاول تهدئتها و أبقيتها بين ذراعي مقدارا من الزمن بينما رغد تراقبنا. بعد ذلك رأينا الناس ينهضون و يسيرون في نفس الاتجاه.فوجا بعد فوج. و جماعة بعد أخرى.
قلت:"هيا بنا "
قالت دانة:"إلى أين ؟؟ "
"لا أعرف سنسير مع الآخرين "
قالت:"سنموت في الطريق. . "
قلت:"لو لم توقفنا الشرطة و تخرجنا من سياراتنا لربما كنا الآن قد بلغنا مكانا آمنا.لا أريد العودة للوراء ولا التخلف عن الآخرين. كما أنهم أخذوا مفتاح سيارتي. أظننا على مقربة من إحدى المدن "فقد كانت اللافتة على جانب الطريق تشير إلى ذلك. .
نهضت معهما و سرنا على مهل، و رغد تعرج و تستند إلى دانة. و تتوقف من حين لآخر.قطعنا مسافة طويلة بلا هدف.نسير زمنا و نرتاح فترة.وتعامدت الشمس فوق رؤوسنا و نحن تائهون في البر.كنا نشعر بتعب شديد..و مهما نسير نجد الطريق طويلا.و لا تعبره أية سيارات.توقفنا بعد مدة لنيل قسطا من الراحة.و أي راحة ؟؟
قالت رغد:"أنا عطشى"و نظرت إلي باستغاثة.
ماذا بيدي يا رغد ؟؟ لو كانت عيني عينا لسقيتك منها و إن شربتها كلها و أبقيتني جافا. أو أعمى. لكنني مثلك ، يكاد العطش يقتلني و ما تبقى من طاقتي لا يكفي لقطع المزيد من الطريق. إننا سنموت حتما إذا بقينا هنا.أنا أرى الناس ينهارون من حولي من التعب و العطش و الجوع. و يتخلّف من يتخلّف منهم بعد مسيرتنا. يجب أن نسرع و إلا هلكنا. "هيا بنا "
قالت دانة:"أنا متعبة ، دعنا نرتاح قليلا بعد "
قلت بإصرار:"كلا يجب أن نسرع بالفرار قبل أن يدركنا حتفنا "و أجبرت الفتاتين على النهوض والسيرمجددا وبأسرع ما أمكنهما.
قوى رغد يبدو أنها انتهت.إنها تترنح في السير.تمشي ببطء.تجر قدميها جرا.تئن و تلهث.تسير مغمضة العينين متدلية الذراعين.ثم أخيرا تقع أرضا.أسرعت إليها و أمسكت بكتفيها و هززتها و أنا أقول:"رغد. رغد تماسكي"
رغد تدور بعينيها الغائرتين النصف مغلقتين و تنطلق حروف من فيها الفاغر مع أنفاسها الضعيفة السطحية:"ماء.عطشى .سأموت. وليد.لا تتركني "ثم تغيب عن الوعي.
أخذت أهزها بقوة أكبر و أصرخ:"رغد .أفيقي .أفيقي.هيا يا رغد تشجعي "
فتفتح عينيها لثوان ، ثم تغمضهما باستسلام ثم أسمع صوت ارتطام فالتفت ، فأرى شقيقتي تهوي أرضا هي الأخرى أسرع إليها و أوقظها:"دانة انهضي هيا قومي سنصل قريبا "
"متعبة دعني أرتاح قليلا "
و انظر إلى الشمس فأراها تقترب من الأفق و تنذر بقرب الرحيلو ختم النهار.تركتهما ترتاحان فترة بسيطة ، ثم جعلتهما تنهضان. دانة تسحب قدميها سحبا و رغد أجرها معي. وصلنا بعد ذلك إلى محطة وقود. و صار من بقي من الناس يركضون باتجاهها و يقتحمون البقالة الصغيرة التابعة لها كالمجانين بحثا عن الماء.أسرعت أنا أيضا بدوري إلى هناك.أسحب الفتاتين و حين اقتربت من الباب و رأيت الناس تتعارك يرصّ بعضهم بعضا قلت للفتاتين:"انتظراني هنا "
و حررتهما من يدي وأنا أقول:"لا تتحركا خطوة واحدة "
وهممت بالذهاب لمزاحمة الآخرين.
رغد صرخت صرخة حنجرة ميتة:"لا تذهب "
قلت:"سأجلب الماء. انتظريني "
و حين سرت خطوة مدت هي يدها و أمسكت بذراعي تسحبني تجاهها و تقول في ذعر:"لا تذهب وليد.كلا.كلا."
حررت ذراعي من يدها و زمجرت:"دعيني أدرك الماء قبل أن يدركنا الموت.ستموتين إن لم ألحق "
"سأموت إن ذهبت "
لا أعرف كيف أصف الشعور الذي انتابني لحظتها.في قعر الضعف و اليأس و الاستسلام.أرى صغيرتي متشبثة بي في خشية من الوحدة.بينما الموت أولى بأن تخشاه و تهرب منه.
قلت موجها كلامي لدانة:"أمسكي بها "
و دفعت بيدها بعيدا عني و أسرعت إلى البقالة.تلاحقني صيحاتها.غصت وسط الزحام و لم استطع نيل أكثر من قارورتي ماء صغيرتين و علبة عصير انتشلتها انتشالا و ركلت من حاول سلبها مني.خرجت بغنيمتي من المعركة و جريت نحو الموضع الذي تركت الفتاتين فيه فلم أجدهما.تلفت يمنة و يسرة فلم أجدهما.جن جنوني و رحت أهتف مناديا:"رغد.دانة. أين أنتما ؟؟ "
ثم سمعت صوت دانة تهتف:"وليد.هنا "
و وجدتها تجلس عند خازنات الوقود و رغد ملقاة أرضا إلى جوارها.ركضت نحوها فزعا."ماذا حدث ؟؟ "
"ربما ماتت ؟ لا أعرف إنها لا تستفيق "
مسكت رغد و هززتها بقوة و أنا أصرخ:"رغد.أفيقي.لقد جلبت الماء.أفيقي هيا"
بالكاد ترمش بعينيها.فتحت علبة العصير و أدخلت طرف الماصة بداخلها و الطرف الآخر في فم رغد و ضغطت على العلبة حتى يتدفق العصير إلى فم رغد.رغد حركت شفتيها قليلا. ثم أخذت تبلع العصير.ثم تشربه."اشربي.اشربي"
أما دانة فأخذت إحدى قارورتي الماء و شربتها كاملة دفعة واحدة.و تقاسمت أنا و رغد القارورة الأخرى."اشربي المزيد.اشربه كله"
الناس كانوا يدخلون و يخرجون من البقالة كل يحمل الطعام و الشراب.دون مراعاة لأي حقوق.وأي لياقة.ففي وضع كالذي كنا عليه.ينسى المرء نفسه.
استردت رغد وعيها الكامل.و شيئا من قوتها.
"أأنت بخير الآن رغد ؟؟ أيمكنك النهوض ؟ "أومأت برأسها إيجابا فنهضنا نحن الثلاثة و أنا مسندا إياها.
قلت:"سأجلب طعاما يمنحنا القوة لمتابعة السير "
رغد قالت:"أنا متعبة.لا أستطيع السير بعد.لا أستطيع "
و نظرت إلى دانة ، فقالت هي الأخرى:"و لا أنا.دعنا نرتاح ساعة "
و في الواقع ، جميع من كانوا يسيرون جلسوا للراحة و تناول ما امتدت إليه أيدهم من الطعام.اخترنا نحن بدورنا موضعا لنجلس فيه.بعيدا بعض الشيء عن الآخرين.ذاك أني لم أشأ جعل الفتاتين عرضة لأعين الغير.بعدما استقررنا هناك، أردت العودة إلى البقالة و إحضار أي طعام.ألا أن رغد منعتني.فالتزمت مكاني.كنت أراها تضغط على جرحها من حين لآخر.و تعبيرات وجهها تتألم و أسمعها تئن.
قلت:"أهو مؤلم جدا ؟ تحمّلي صغيرتي.قليلا بعد "و لا يزيدها ذلك إلا أنينا.
"أنا متعبة "قالت و هي بالكاد قادرة على حمل رأسها و تكاد تسقطه.و تدور بعينيها في المكان.و تفرك يديها من البرد.تفطّر قلبي لرؤيتها بهذا الشكل.و لم أعرف ما أفعل؟؟ إن صغيرتي تتألم و على حافة الموت.ماذا أفعل ؟هي رأتني أراقب تحركاتها و تململها. قالت:"أريد أن أنام "
قلت:"اضطجعي و نامي صغيرتي"
حركت رأسها اعتراضا.بينما عيناها تكادان تنغلقان رغما عنها.رأفت بحالها البائس.و قلت بعطف:"اضطجعي رغد.أنت متعبة جدا. استرخي هيا"
رغد نظرت إلى دانة.ثم إلى الناس ، ثم إلي بتردد.
قلت مشجعا:"هيا صغيرتي.لا تخشي شيئا "
و بادرت دانة بالاضطجاع.بدورها.فتشجعت رغد.و همت بالانبطاح.لكنها قالت قبل ذلك:"لا تذهب إلى أي مكان وليد أرجوك "
قلت مطمئنا "لا تقلقي، أنا باق ٍ هاهنا "
ثم تمددت على الرمال. و أغمضت عينيها.
أنا أيضا استلقيت على الرمال المجردة.طالبا بعض الراحة.و سرعان ما رأيت رغد تجلس و هي تنظر إلي و تقول:"هل ستنام ؟ "
قلت:"كلا. . سأسترخي قليلا "
و بدت مترددة.
قلت:"عودي للنوم رغد.اطمئني "
فعادت و استلقت على الأرض.و سكنت قليلا.ثم عادت فجلست و ألقت نظرة علي!
قلت:"ماذا ؟؟ "
قالت:"لا تنم وليد أرجوك "
جلست مستويا ، و قلت:"لن أنام صغيرتي.نامي أنت و أنا سأبقى أراقب ما حولنا.اطمئني "
و أخيرا اطمأن قلبها أو ربما تغلّب عليها النعاس و التعب ، فاستسلمت للنوم بسرعة.في العراء.ننام مفترشين الأرض الجرداء. ملتحفين السماء.تهب علينا التيارات الباردة تجمّد أطرافنا.فنرتجف.و تقشعر أجسادنا و قلوبنا.ثم لا تجد ما يدفئها و يهدئ روعها.كان الليل يمر ساعة بعد أخرى.دون أن نحسب الزمن.عاد البدر يراقبنا و يشهد تشردنا.و حال لم يخلق الله مثلها حالا.أراقب الفتاتين فأجدهما مستغرقتين في النوم.و أنا شديد الإعياء.و السكون و الظلام مخيم على الأجواء.و معظم الناس رقود.النعاس غلبني أنا أيضا.فقد نلت ما نلته من الإجهاد.لكنني كنت أقاومه بتحد ٍ.كيف لعيني أن تغفوا و فتاتاي نائمتان في العراء.عرضة لكل شيء.و أي شيء ؟؟وقفت كي أطرد سلطان النوم ، و جعلت أحوم حول الفتاتين و أذرع المكان ذهابا و جيئة. و أقترب منهما كل حين أراقب أنفاسهما.و أطمئن إلى أنهما نائمتان و على قيد الحياة.أنا متعب.متعب.أكاد أنهار.رأسي دائخ و الكون يدور من حولي.وعيناي تزيغان.يا رب.إن عينك لا تغيب و لا تغفل.و لطفك و رحمتك وسعا كل شيء.فاشملنا تحت حفظك.أ اغمض عينيّ لحظة واحدة؟ فقط لحظة.أهدئ من تهيجهما و حرارتهما.لحظة واحدة يا رب.و لم تطعني عيناي كما أبى قلبي أن يغفل عنهما طرفة عين.فيما أنا بهذه الحال.بعد مضي فترة من الزمن.أبصرت نورا يقترب منا قادما من آخر الشارع.إنها سيارة! السيارة الأولى التي تعبر هذا الشارع مذ تشرّدنا فيه.لم تكن سوى سيارة حوض.ما أن رآها بعض الناس حتى أسرعوا راكضين إليها طالبين النجدة.
أسرعت إلى الفتاتين و أيقظتهما:"رغد.دانة. هيا بنا بسرعة "
فتحتا أعينهما مذعورتين ، و مددت يدي و أمسكت بيديهما و سحبتهما لتنهضا جالستين ثم واقفتين في فزع.قلت:"لنلحق بالسيارة "
و ركضت ساحبا إياهما حتى أدركنا السيارة و انضممنا إلى أفواج الناس الذين ركبوا حوضها
سائق السيارة كان يهتف:"انتظروا لأعبئ خزانها وقودا "
ألا أن الناس تشبثوا بها بجنون.بعد ذلك انطلقت السيارة بمن حملت تسير بسرعة لا بأس بها.كان بعضنا جالسا و البعض واقفا ، و كنا نحن الثلاثة ضمن الوقوف.كنا واقفين عند مقدمة الحوض، الفتاتان ملتصقتان برأس السيارة و أنا أكاد ألتصق بهما، فاتحا ذراعيّ حولهما أصد الناس عن ملامستهما.بعد مسيرة ساعة أو أكثر.لا أعلم تحديدا.بلغنا مشارف إحدى المدن.
و أوقف السائق السيارة و قال:"امضوا في سبلكم "
هبطنا جميعا و تفرقنا.هذا هنا و هذا هناك.باحثين عن ملاجئ لهم.وقفت أنا حائرا.إلى أين أذهب في هذا الليل الكئيب.و معي هاتان الفتاتان المنكوبتان ؟؟و تلفت من حولي فرأيت لا فتة تدل إلى طريق المدينة الزراعية ، و الكائنة على مقربة.نجحت بعد جهد في إقناع السائق بإيصالنا إلى هناك ، و تحديدا إلى مزرعة نديم ،فهي الفكرة التي طرأت على رأسي المرهق هذه اللحظة ،بمقابل.و شكرت الله أن جعلني أحمل محفظتي في جيبي مع المفاتيح.ولم تكن المسافة طويلة ، وصلنا بعد فترة قصيرة إلى هناك.هبطنا من السيارة و شكرت السائق.و حثثت الفتاتين على السير معي.
قالت دانة:"إلى أين ؟ "
قلت:"تقطن عائلة صديقي هنا، سأسألهم استضافتنا لهذه الليلة.فنحن متعبون جدا "لقد كان كل ما سبق أشبه بالكابوس.ألا أنه كان الواقع.بوابة المزرعة كانت مفتوحة كالعادة ، مشينا متجهين نحو المنزل.دانة تمسك بقميصي الموضوع حول رأسها، و رغد تجر قدمها المصابة.و كلاهما تمسكان بيدي من الجانبين.عند عتبات باب المنزل. تركتاني لأصعد العتبات ، ثم أقرع الجرس، ثم ينفتح أسمع صوتا يسأل عن الطارق .
فأجيب:"وليد شاكر "
ثم أرى الباب ينفتح ، و تظهر من خلفه.أروى نديم.
~ ~
اتسعت حدقتا الفتاة التي أطلت من فتحة الباب.و ألقت علينا جميعا نظرة مذهولة و قالت:"سيد وليد! "
وليد قال:"مساء الخير.هل العم إلياس موجود ؟؟ "
ردت الفتاة:"خالي في طريقه إلى هنا"
ثم عاودت النظر إلينا أنا و دانة ، ثم قالت:"ما الأمر ؟؟ "
قال وليد:"فررنا من القصف الجوي. نجونا بأعجوبة "
الفتاة وضعت يدها على صدرها و شهقت. ثم قالت:"أ. . . أنت. . . تقيم في المدينة الصناعية ؟؟ "
أجاب وليد:"نعم ، مع عائلتي"و أشار إلينا ثم قال:"تدمرت مدينتا. و الآن.أصبحنا بلا مأوى"
سرعان ما فتحت الفتاة الباب على مصراعيه و قالت:"هلموا بالدخول "
وليد قال:"سننتظر العم إلياس"
ألا أن الفتاة أصرت:"تفضلوا رجاء"
ثم التفتت إلى الداخل و أخذت تنادي:"أمي. . . "
وليد الآن التفت إلينا و قال:"تعالا"
ترددنا قليلا ألا أننا سرنا معه إلى الداخل.و في النور استطعت أن أرى وجه الفتاة الذي لم يكن جليا قبل قليل.فتاة شديدة البياض و الشقرة.زرقاء العينين حمراء الخدّين.أجنبية الملامح.أقبلت سيدة أخرى نحونا و حين رأت وليد تهللت و رحبت به بحرارة.السيدة كانت شديدة الشبة بالفتاة.
قالت الفتاة:"هربوا من المدينة الصناعية يا أمي! "
امتقع وجه السيدة ثم قالت:"أوه ربّاه! حمدا لله على سلامتكم "
و أخذت الفتاة تكرر ذلك أيضا.
قال وليد:"سلمكما الله ، شكرا لكما و أعتذر على حضوري إلى هنا.لكننا بحاجة لمكان آمن نبات فيه ليلتنا هذه "
السيدة الكبرى أشارت إلى وليد بالتوقف عن الحديث و عادت ترحب من جديد.و التفتت إلينا أنا و دانة.
وليد قال:"شقيقتي و ابنة عمّي "
قالت السيدة:"و أين أبواك ؟ "
قلت:"لم يعودا من الحج بعد.أولا أعرف ما حصل معهما! "
قالت السيدة و هي تشير بيدها نحو المقاعد:"تفضلوا رجاء.تفضلوا "
أنا و دانة كنا ممسكتين بيد بعضنا البعض.واقفتين بحذر و تردد.
وليد تحدّث إلينا قائلا:"تعالا.لنجلس هناك "و سرنا معه إلى المقاعد.
و جلست دانة ملتصقة به و أنا ملتصقة بها.وليد ألقى نظرة علينا ثم قال مخاطبا الفتاة:"هل لنا ببعض الماء من فضلك ؟؟ "
"فورا"
و ذهبت الفتاة و عادت تحمل قارورة كبيرة من الماء المعدني و كأسين اثنين.ملأتهما ماءا و قدّمت الأول إلي و الثاني إلى دانة. فشربنا بنهم شديد.المزيد و المزيد و المزيد.و وليد و الفتاة و السيدة يراقبوننا بشفقة!
ذهبت الفتاة و أحضرت قارورة أخرى و كأسا ثالثا و دفعتهما نحو وليد "تفضّل"
وليد تناولهما و بدأ يشرب الكأس بعد الآخر حتى أفرغ معظم محتويات القارورة في جوفه.
أيّكم جرّب عطشا كهذا العطش ؟؟ألا لعنة الله على الظالمين.
قالت السيدة مخاطبة الفتاة:"اذهبي و حضّري بعض الطعام.حضّري الحساء و الشطائر "
و أسرعت الفتاة منصرفة إلى حيث أمرت.
وليد قال:"نحن آسفون يا سيدة ليندا.إننا "
فقاطعته السيدة و قالت:"لا لا داعي لقول شيء يا بني.ألف حمد لله على نجاتكم"
ثم سمعنا صوت الباب ينفتح ، و يدخل منه رجل عجوز.ما أن دخل حتى وقف وليد فوقفنا أن و دانة تباعا.الرجل ذهل ، و قال بتعجب:"وليد ؟؟ "
و أقبل وليد نحوه فصافحه ثم أخبره عما حصل معنا ما دعانا للحضور إلى هنا.
و العجوز لم يقل كرما عن السيدة و الفتاة.بل رحب بوليد و عانقه و حمد الله كثير على سلامته.
حتى هذه الساعة لازلت بين الإدراك و إلا إدراك.بين الحقيقة و الحلم ، و التصديق و التكذيب.و لازلت أشعر بتعب لا يسمح لي بالوقوف أكثر من ذلك. خصوصا على قدم جريحة متألمة.لذا فإنني هويت على المقعد و ألقيت برأسي على مسنده.دانة جلست إلى جواري و ربتت على كتفي و قالت:"رغد.أأنت بخير ؟؟ "
أنا تنهّدت و أننت.وليد أقبل هو الآخر نحوي قلقا.و قال:"أأنت على ما يرام ؟؟ "
أشرت إلى قدمي.أنا أتألم.
وليد قال مخاطبا الرجل العجوز:"أيوجد لديكم مطهرا و ضمادا للجروح ؟؟ "
السيدة غابت ثوان ثم عادت تحمل ما يلزم.وليد قال:"يجب غسلها أولا"
السيدة قالت:"دورة المياه من هنا "
ألا أنني هزت رأسي ممانعة. و لزمت مكاني.
دانة قالت بصوت هامس تكلم وليد:
"أنا أريد استخدام دورة المياه "
وليد أستأذن أصحاب المنزل ، ثم نهضت دانة واقفة ، تغطي معظم وجهها بالقميص الموضوع على رأسها.
اعتقد أن الرجل العجوز انصرف هذه اللحظة. أما السيدة الأخرى فعادت تشير إلى ناحية الحمام:"من هنا"
ذهبت دانة إلى دورة المياه ، و السيدة استأذنت و غادرت لدقائق.و بقيت أنا متهالكة على المقعد و وليد واقف إلى جواري..
قال:"أأنت بخير صغيرتي ؟؟ "
لا! كيف لي أن أكون بخير ؟؟ إنني في حال من أسوأ الأحوال التي مرت علي ّ.بدأت بالبكاء ألا أن دموعا لم تخرج من عيني.
وليد جلس بقربي و قال:"ستكونين بخير.نجونا من الموت.الحمد لله "
شعرت لحظتها برغبة في الارتماء في حضنه.و البكاء على صدره.و الاسترخاء بين ذراعيه.أنا متعبة و أتألم.أريد من يواسيني و يشجعني.أريد حضنا يشملني و يدا تربت علي.أريد أمي.أريد أبي.أريد وليد.و لم أنل منه غير نظرات مشجعة.أقبلت السيدة تحمل معها وشاحين.قدّمتهما إلي.نزعت ُ عن رأسي ما كنت أتحجّب به، و لففت أحد الوشاحين حول رأسي ، على مرأى من وليد.و عندما عادت دانة ، و قد غسلت وجهها و قدميها الحافيتين أعطيتها الوشاح الآخر.
قالت:"تعالي لأغسل جرحك رغد"
و أيضا لم أتحرّك.ففوق تعبي و إعيائي و الدوار الذي أشعر به.أنا خائفة.نعم خائفة.السيدة قامت بنفسها بإحضار وعاء يحوي ماء. و وضعته عند قدمي ّ و قالت:"هل أساعدك ؟ "
دانة قالت:"شكرا لك ، سأفعل ذلك "ثم أخذت تحل الضماد ـ و الذي هو عبارة عن كم قميص وليد ـ من حول قدمي.و غمرتها بعد ذلك في الماء النظيف الدافئ.بدأت الأوجاع تتفاقم و تتزايد.و أخذت أئن و أصيح.لكنني لم أقاوم.و استسلمت لما فعلته دانة بقدمي.و أنا مغمضة العينين.عندما فتحتهما كانت قد انتهت من لف قدمي بالضماد.كما أن السيدة أحضرت ماءا نظيفا لأغسل قدمي الأخرى.
كل هذا و أنا ملتزمة الصمت و السكون إلا عن أنات و صياح ألم.و الآن، جاءت الفتاة تحمل صينية ملآى بالشطائر بينما يتبعها العجوز حاملا صينية أخرى رُصّت علب العصير الورقية فوقها.و وضعا الطعام و الشراب أمامنا و الفتاة تقول:"تفضلوا هذا لحين نضج الحساء "
لم يمد أحدنا يده.ما الذي يجعلنا نفكّر بالطعام في وقت كهذا ؟؟فراح أصحاب المنزل يحثوننا على الطعام.وليد تناول اثنتين من علب العصير و قدمهما لي و لدانة، فأخذت علبتي و شربت ما بها ببطء.أصحاب المنزل الثلاثة استأذنوا منصرفين عنا، ربما لنتصرف بحرية أكبر.وليد أيضا وزع الشطائر علينا ألا أنني رفضت تناولها."خذي يا رغد.لابد أنك جائعة جدا.كلي واحدة على الأقل "
"لا أريد "
"هيا أرجوك.ستموتين إن بقيت بلا طعام ساعة بعد "
و لم يفلح في إقناعي.لكنه و دانة تناولا شيئا من الطعام بصمت.لحظات و إذا بالفتاة تقبل بأقداح الحساء الساخن.و تقدمها إلينا ثم تنصرف.أجبرت نفسي على رشف ملعقتين من الحساء.ثم أسندت رأسي إلى المقعد و أغمضت عيني.كنت أسمع أصوات الملاعق. و حركة الأواني.و ربما حتى صوت بلعهما للطعام و هضم معدتيهما له! و أسمع كذلك صوت نبضي يطن في أذني.و أنفاسي تنحشر في أنفي.و الآن صوت وليد يناديني "رغد"
فتحت عيني فوجدته ينظر إلي بقلق و يعيد السؤال:"أأنت بخير ؟؟ "
قلت:"أنا متعبة "
قال:"سأتحدّث معهم"
ثم نهض و نادى:"أيها العم الطيب"
ظهر الثلاثة من حيث كانوا يختبئون عنا
قال وليد:"اعذرونا رجاء ًإننا في غاية التعب فقد قضينا ساعات طويلة نسير في الخلاء أين يمكننا المبيت بعد إذنكم ؟؟
قالت السيدة:"ستنام ابنتي معي في غرفتي و يمكن للفتاتين المبيت في غرفتها.سنعد فراشا أرضيا إضافيا "
و قال العجوز مخاطبا وليد:"و أنت غرفتك كما هي "
قال وليد:"هذا جيّد"
ثم أضاف:"أشكركم جميعا جزيل الشكر. إنني "
و مرة أخرى قاطعته السيدة و قالت:"لا داعي لكل ذلك يا سيد وليد، ألم نكن كالعائلة؟ جميعكم أبنائي"
ثم أضافت مخاطبة الفتاة:"خذي الفتاتين إلى غرفتك "
الفتاة أقبلت نحونا و هي تبتسم و تقول:"تفضلا معي"
كلانا نظرت إلى وليد بتردد. فقال الأخير:"هيا عزيزتاي "
و هز رأسه مطمئنا.يبدو أنه على علاقة وطيدة بهم.و يثق بهم كثيرا.
وقفت دانة و وقفت معها.ثم قلت لوليد:"و أنت ؟ "
قال:"سأبات في غرفة في الخارج تابعة للمنزل "
هززت رأسي اعتراضا شديدا.مستحيل! و عوضا عن مرافقة الفتاة اقتربت منه هو ، و قلت:"لن تذهب و تتركنا "
قال:"إنها غرفة خارجية اعتدت المبيت فيها.ملاصقة للمنزل تماما "
هززت رأسي بإصرار أشد:"لا. . لا "
وليد نظر إلي بضيق و تعب و أسى. كأنه يرجوني أن أطلق سراحه و أدعه يرتاح قليلا.
قال:"ستكونين بخيرهذه عائلتي "
ألا أنني ازددت إصرارا و رفضا و قلت:"سأذهب معك "
وليد و دانة تبادلا النظرات.و لم يعرف أي منهما ما يقول.مددت يدي فأمسكت بيده مؤكدة أكثروأكثر بأنني لن أسمح له بالابتعاد عني.
أخيرا تكلّم وليد مخاطبا أصحاب المنزل:"إن لم يكن في ذلك ما يزعجكم.فسنبيت في الغرفة الخارجية نحن الثلاثة.و نحن آسفون لكل ما سببناه لكم من إزعاج"
العجوز تكلّم و قال:"كما تشاءون يا بني.سأجلب المزيد من الفرش و البطانيات لكم "
و تحرك الثلاثة ، و أحضروا البطانيات و حملوها سائرين نحو الباب، و سرنا معهم إلى خارج المنزل.كانت الغرفة المقصودة هي غرفة تابعة للمنزل مفصولة عنه بجدار مشترك.و كانت صغيرة نسبيا و بداخلها سرير صغير و أثاث بسيط ، و تتبعها دورة مياه صغيرة قريبة من الباب..الثلاثة و معهم وليد تعاونوا في تحضير فراشين أرضيين على المساحة الحرة من الغرفة.و حالما انتهوا ، قال العجوز"أتمنى لكم نوما هانئا "
و عقّبت السيدة:"تصبحون على خير "
أما الفتاة فقد أسرعت بالذهاب ثم العودة بصينية الشطائر و بعض العصائر.و وضعتها على المنضدة الصغيرة التابعة لأثاث الغرفة و هي تقول:"فيم لو احتجتم أي شيء فلا تترددوا في طلبه! "
وليد قال:"شكرا جزيلا.هل نستطيع استخدام الهاتف ؟ "
قال العجوز:"بكل تأكيد"
فشكرهم كثيرا و كذلك فعلت دانة ، ثم انصرفوا.
و فور خروجهم أقفل وليد الباب و أقبل إلى الهاتف. و اتصل بأحد الأرقام.و كان أول ما نطق به بعدها و بلهفة شديدة:
"سامر.يا عزيزي.أأنت بخير ؟؟ "
مضطجعة على السرير.في غرفة أناس غرباء.مكان مظلم و بارد.ألتحف لحافا و بطانية خفيفين.لا يكادان يدفئان أطرافي كما ينبغي.
أتقلب يمينا و يسارا.محاولة ضبط جسدي في وضع يريحه .و يخفف آلام قدمي الممتدة لكامل الرجل و الظهر أيضا.و كلما لففت يمنة.وقع نظري على تلك الكومة من اللحم و الشحم البشري المتمددة على فراش أرضي.و المدثرة بلحاف و بطانية شبيهين باللذين يغطياني، يخفيان الرأس و لا يكادان يغطيان القدمين اللتين تبرزان من تحتهما. بحجميهما الكبيرين و شكليهما الأشبه بالسفينة!مسكين وليد!لابد أن عدد الخلايا الحسية في قدمه هو أكثر بكثير من قدمي أنا.و لابد أنه تألم كثيرا و هو يركض و يمشي حافيا عليها!أوه و لكن لم علي التفكير بقدم وليد في ساعة كهذه و حال كهذه ؟؟أم أن الآلام التي أشعر بها في قدمي أنا جعلتني مهووسة بالأقدام؟؟
أكثر شيء أراحني ، و جعلني أستلقي بطمأنينة على هذا السرير هو تحدّثي إلى والدي ّو اطمئناني عليهما ، و كذلك على سامر و خالتي و عائلتها.الحمد لله أنهم جميعا بخير.و رغم التعب الذي كنت أعانيه، لم أنم مباشرة مثلما نام وليد و دانة على فراشيهما الأرضيين.لقد كنت أشعر بالبرد.رغم أن جسدي متعرق.جلست.و أخذت أنظر نحوهما.كانا مستغرقين في نوم عميق.لا تصدر عن أي منهما أي حركة.نهضت عن سريري و توجهت نحو الخزانة الصغيرة الموجودة في الغرفة، و أنا أعرج. بحثا عن بطانيةأخرى.
فتحت الخزانة و ألقيت نظرة على ما بداخلها، لم أجد أي بطانية أو لحاف.أثناء إغلاقي لها أصدرت صوتا.فالتفت مباشرة إلى النائمين أستوثق من عدم استيقاظهم بسبب الصوت.دانة لم تتحرك البتة ، أما كومة الشحم و اللحم البشرية تلك فقد تحركت.و أُزيحت البطانية قليلا.فظهر الرأس.و العينان. و الأنف المعقوف.والشفتان.والذقن الملتحي أيضا!
وليد نظر إلي برهة نظرة ساذجة، ربما كان نصف نائم.ثم بدأ تركيزه يحتد و يشتد.ثم حملق بي في قلق و استوى جالسا"ما الأمر؟ "
سألني ذلك ، فقلت:"آسفة. كنت أبحث عن بطانية أو ما شابه "
نظر وليد نحو السرير ليتأكد من وجود بطانية معدة لي ، ثم إلي.فقلت موضحة:"إنها خفيفة"
قال:"أتشعرين بالبرد ؟ "
"نعم"
ثم رأيته ينهض، و يحمل بطانيته و يضعها فوق بطانيتي.
قال:"ستدفئين هكذا "
شعرت بالخجل من تصرفه و الحرج.قلت بسرعة:"أوه كلا وليد"
قال:"إنني لا أشعر بالبرد على أية حال.اللحاف هذا يكفيني "
طأطأت رأسي خجلا و أنا أنطق بحروف الشكر.وليد عاد إلى فراشه الأرضي و غطى جسده كاملا باللحاف!رجعت أعرج نحو السرير و تدثرت بالبطانيتين مع اللحاف.و استمد جسمي الحرارة لا من الأغطية المنشورة فوقي ، بل من المدفئة الملتهبة التي تبعث حرارة و تقدح لهيبا في الغرفة.مكومة هناك.على ذلك المفرش الأرضي ملفوفة باللحاف كالشرنقة!يا إلهي ما أجمله من شعور!
و لأنه لم يعد باستطاعتي رؤية أية أقدام كلما تلفت، فإن هوس التفكير بها غاب عنّي.وسمح لدماغي بالصفاءوبالتالي بالاستسلام للنوم.
نومتي لم تكن بالنومة الطبيعية على الإطلاق.رأيت كوابيس مزعجة جدا و استيقظت عدّة مرات فزعة.أرى نفسي في العراء.و الناس تركض.والنار تحيط بنا.أسمع صراخ الناس.ودوي الانفجارات.وأرى جنودا يركضون نحوي.أحاول الوقوف لأهرب، لكن قدمي المصابة تعيقني.أصرخ و أصرخ و أرى وليد يركض مع دانة مبتعدين. فأمد يدي طالبة العون. و ما من معين.ثم تقترب النيران مني و تلسعني ألسنتها.فأصرخ بأعلى صوتي.ثم يظهر سامر لا أعلم من أي مكان.و وجهه يحترق.ويقول:"لماذا فعلت ِهذا بي ؟؟ "استيقظ من النوم فزعة مرعوبة ، أتلفت إلى ما حولي ، فأجد نفسي في غرفة صغيرة مظلمة.مضطجعة على سرير.وأرى وليد و دانة نائمين على مقربة مني.أنهض عن سريري و اقترب منهما لأتأكد.أهما وليد و دانة ؟؟ أأنا في حلم ؟؟فأرى وجه دانة الغارق في النوم.و شعرها المبعثر على الوسادة.نعم هي دانة.و هي حية.و تتنفس.ثم التفت ناحية وليد.المغطى باللحاف كليا ، فلا أجد ما يثبت أنه وليد.و أنه حي.و يتنفس!
أبقى أراقبه بتركيز حتى ألحظ حركة طفيفة يصدرها صدره.فيطمئن قلبي إلى أنه حي.و يتنفس.لكن.هل هذا وليد ؟؟أمد يدي بحذر و بطء.و جنون.نحو طرف اللحاف فأزيحه قليلا عن قدمه.كبيرة كالسفينة!لا شيء يدعو للشك!إنه وليد حتما!يطمئن قلبي و أعود أدراجي إلى سريري الدافىء.نعم أنا بخير.نعم لقد نجونا.نعم كان كابوسا.نعم أنا متعبة.و بالتأكيد سأنام.في المرة الأخيرة التي نهضت فيها.كانت حالتي سيئة جدا.
كنت غارق في النوم لأبعد الحدود ، بعد العناء الذي مررنا به.توقعت ألا أنهض قبل مضي 20 ساعة على الأقل!ألا أنني نهضت على صوت ما.فتحت عيني و بقيت لحظة في سكون ، إلى أن أفاقت جميع خلايا الوعي النائمة في دماغي ثم بدأت حواسي تعمل بشكل جيد ، و تميز الصوت و معناه.كان صوت رغد. و كانت تناديني.التفت ناحية السرير الذي كانت رغد تنام فوقه فرأيتها تجلس على حافته في إعياء شديد ، بالكاد تسند جدعها كانت عيناها شديدتي الاحمرار.و وجهها شديد الشحوب.تعبيراتها تنم عن التألم و الإرهاق اجتاحني القلق بغتة ، وقفت بسرعة و قلت:"رغد ما بك ؟؟ "
نبست شفتاها عن أنة تلتها تنهيدة وجع ثم قالت بوهن:"متعبة دوار"
ثم رأيت القشعريرة تسري في جسدها.اقتربت منها قلقا.و أبصرت زخات من العرق تبلل وجهها قلت:"سلامتك"
قالت:"أظن أنني محمومة أريد مسكنا "ثم ارتمت على السرير بضعف.رغد تبدو مريضة جدا.
قلت:"أ نذهب إلى الطبيب ؟ "
رغد أنت.أنين مريض مرهق.
قلت:"استعدي للذهاب. سأعود في الحال "
و توجهت نحو الباب ، فنادتني بوهن:"وليد"
التفت إليها فوجدتها عاجزة عن رفع رأسها عن السرير.قلت:"سأطلب من العم إعارتنا سيارته "
و قبل خروجي نظرت إلى دانة ، و ناديتها عدة مرات ألا أنها كانت في نوم عميق.عندما خرجت من الغرفة و سرت باتجاه باب المنزل لمحت العم إلياس على مقربة.و كان يزيل بعض الأوراق و الأغصان المتساقطة من على الأرض.إنه الصباح الباكر و هذا الرجل معتاد على النهوض باكرا من أجل العمل.اقتربت منه و أنا أقول:"صباح الخير أيها العم الطيب "
التفت إلي و ابتسم ابتسامة جميلة و رحب بي بكل بشاشة و بشر.قال:"نهضت باكرا! هل اكتفيت من النوم بهذه السرعة ؟؟ "
قلت:"لازلت متعبا أيها العم ، بصعوبة أديت صلاتي قبل فوات وقتها"
"إذن لم قمت باكرا هكذا ؟ "
قلت:"ابنة عمّي متعبة.أريد أخذها إلى المستوصف القريب.فهل تسمح بإعارتي سيارتك؟؟ "
العم قال بسرعة:"أيعقل أن تسأل هذا يا وليد؟ بل أنا من سيوصلكما إلى هناك.أنسيت يوم اصطحبتنا نحن إلى هناك؟ جاء وقت رد الجميل! "
قلت:"لا أريد إزعاجك أيها العم "
"عن أي إزعاج تتحدّث ؟ كما و أن لي حاجة من مكان قريب من المستوصف ،أنا ذاهب لجلب السيارة أمام المنزل"و ولى مسرعا.
لم يكن لدى العائلة سوى سيارة حوض.زرقاء اللون يستخدمونها رئيسيا لنقل الثمار إلى سوق الخضار.و هي سيارة لا تتسع لأكثر من ثلاثة أشخاص.قبل أن أعود إلى الغرفة ، ظهرت الآنسة أروى خارجة من المنزل تحمل طبقا مسطحا كبيرا حاويا كمية من حبوب الأرز.أروى حالما رأتني بادرت بالتحية:"صباح الخير يا سيد وليد "
قلت ببعض الحرج:"صباح الخير سيدتي "
قالت:"أنتمتم بشكل جيد ؟ "
"الحمد لله "
"هل نهضت الفتاتان ؟ "
"كلا ، أعني نعم.أقصد واحدة نعم و واحدة لا "
قالت:"الباب مفتوح لكم لدخول المنزل أنى شئتم.سأعد لكم طعام الفطور بعد قليل "
"شكرا لكم. غمرتمونا بكرمكم "
"إنه واجبنا بل من دواعي سرورنا"
و هنا أقبل العم يقود سيارته.و أوقفها على مقربة.
سألت الفتاة:"إلى أين يا خالي ؟؟ "
قال:"إلى المستوصف "
"المستوصف ؟؟ "
قلت موضحا: "لأخذ ابنة عمّي فهي متعبة "
قالت:"سلامتها"
"سلمكم الله "
شكرتها و استأذنت و عدت إلى الغرفة.كانت رغد لا تزال على نفس الوضع الذي تركتها عليه.و مغمضة العينين حين أحسّت باقترابي فتحتهما بإعياء.
"صغيرتي.هيا بنا "
بصعوبة بالغة تحركت.و مشت خطواتها العرجاء فلما صارت قربي التفتت إلى دانة.حرت في أمري.فمن جهة ، لا أريد ترك دانة وحدها هنا.و من جهة أخرى لا أريد إفساد نومها العميق ، كما و أنا السيارة لا تتسع لها.في النهاية قلت:"سندعها نائمة"
و لولا التعب لنطقت رغد بكلمات الاعتراض المرسومة على وجهها ، ألا أنها سارت باستسلام و عجز.أغلقت الباب تاركا المفتاح في الداخل. و حين أصبحنا قرب السيارة قلت مخاطبا الآنسة أروى:"من فضلك سيدتي.هللا تفقدّت شقيقتي بين حين و آخر ؟ إنها لا تزال نائمة هناك و لا تعرف عن خروجنا "
أروى قالت:"اطمئن لسوف أذهب و ألازم الغرفة لحين عودتكما! "
قلت:"شكرا لك ، أخبريها أننا ذهبنا للمستوصف القريب و سنعود قريبا "
التفتت بدورها إلى رغد و قالت:"سلامتك"
رغد لم تجب و اكتفت بنظرة كئيبة نحو الآنسة أروى.
قلت أنا:"شيء آخر يا سيدتي و استميحك عذرا على ثقل ظلّنا"
"تفضّل دون حرج يا سيد وليد "
نظرت إلى رغد في خجل و قلت:"عباءة إذا أمكن "
الآنسة أروى قالت:"بالتأكيد"
و أسرعت إلى داخل المنزل ، و عادت تحمل عباءة.و زوجين من الأحذية المطاطية ، التي يرتدونها عادة أثناء العمل.انتبهت حينها فقط إلى أنني و رغد كنا لا نزال حافيين أيضا!
بعدما ارتدينا الأحذية المطاطية تلك ، و ارتدت رغد العباءة ، تقدمنا نحو السيارة فصعدت أنا أولا ثم رغد من بعدي.و قد كادت تتعثر.إن من شدة التعب و الدوار ، أو من علو عتبة السيارة ، أو من طول العباءة التي ترتديها!حينما بلغنا المستوصف، دخلته و رغد فيما ذهب العم لقضاء حاجاته على اتفاق بالعودة فور فراغه منها.هناك، استلقت رغد على سرير الفحص و أقبلت الممرضة لقياس العلامات الحيوية لها.
ثم قالت:"حرارتها مرتفعة جدا! أربعون درجة و نصف! "و أحضرت كيسا يحوي مجروش الثلج و وضعته على رأس رغد، بينما قامت ممرضة أخرى باستدعاء الطبيب المسؤول.ثوان و إذا بالطبيب يحضر.و هو رجل في نحو الثلاثين من العمر.ما أن أقبل حتى استوت رغد جالسة.اتخذ الطبيب مجلسه على مقعده الوثير خلف المكتب، و أمسك بالقلم و إحدى الأوراق بين يديه و بدأ يسأل:
"مم تشكو الفتاة ؟ "
توليت أنا شرح حالتها مجملا.و أخبرته عن الجرح العميق في قدمها.الآن يقف الطبيب و يقبل نحو سرير الفحص و يقول:"بعد إذنك "
وقفت أنا دون حراك ، بينما حاولت الممرضة إغلاق الستارة حول السرير.لتحول بيني و بينه.و بادرت الممرضة الأخرى بفتح الضماد من حول قدم رغد المصابة.
في هذه اللحظة هتفت رغد:"وليد"
لم أتحرك من مكاني، لا للأمام و لا للخلف.و الممرضة تنظر إلي منتظره ابتعادي.
قال الطبيب:"أنت شقيقها ؟ "
قلت:"تقريبا ، ابن عمّها "
و نظرت إلى رغد فقرأت على وجهها الفزع المهول.
قال الطبيب:"استلقي يا آنسة "
و الذي فعلته رغد هو أنها همت بالنهوض فجأة.اقتربت أنا منها فأمسكت بذراعي.لأساعدها على النهوض.
قلت:"رغد"
رغد هزت رأسها نهيا بإصرار.
قال الطبيب:"ألا تريدين مني أن أفحصك ؟ "
رغد قفزت من السرير واقفة على قدميها ، ثم صرخت تألما.
قلت:"رغد اصعدي.دعيهم يرون الجرح على الأقل "
لكنها عوضا عن ذلك تشبثت بي أكثر و قالت:"لا"
التفت إلى الطبيب الواقف جوارنا ينظر باستغراب و قلت:"إنها خجولة جدا "
ثم أضفت:"ألا يوجد طبيبة امرأة ؟ "
قال:"للأسف لا "
ثم تنحى جانبا. و ابتعد.
تحدّثت إلى رغد الواقفة على قدمها بألم و قلت:"أرجوك صغيرتي ، لندع الممرضة تعقم الجرح "و لم تقتنع بسهولة.بعدما صعدت على السرير ، و هي لا تزال متشبثة بي، و كشفت الممرضة عن الجرح.تأملته ثم قالت موجهة الحديث إلى الطبيب:"دكتورإنه ملتهب جدا "
الطبيب أقبل من جديد يريد إلقاء نظرة على الجرح فرفضت رغد ذلك و دلّت رجليها أسفلا.
قال الطبيب يحدث الممرضة:
"خرّاج ؟ "
"نعم يا دكتورملوث جدا "
الكلمات أقلقتني قلت مخاطبا رغد:"دعيه يلقي نظرة "
لكنها أصرت على موقفها بل و همّت بالنهوض"هيا رغد فنحن جئنا للعلاج"
و خاطبت الطبيب:"أرجوكم طهروه و اعتنوا به كما يجب "
بصعوبة بالغة سمحت رغد للطبيب فقط بإلقاء نظرة عن كثب على الجرح.و ما أن رآه حتى قال:"بحاجة إلى تنظيف جراحي "
قلت قلقا: "تنظيف جراحي ؟؟ "
"نعم ، في غرفة العمليات الصغرى.و لابد من أدوية قوية لأن الجرح ملتهب للغاية "
الخوف تملكني أنا ربما أكثر من رغد المذعورة بين يدي.رغد جرح التهاب عملية أدوية ؟؟ ألطف يا رب ألطف يا رب
قلت:"ماذا علينا فعله ؟؟ "
"ننقلها إلى غرفة العمليات الصغرى الآن ، و تحت المخدر الموضعي يقوم الجراح بتنظيف الجرح و تعقيمه "
نظرت إلى رغد و الذعر المخيم على وجهها و الرفض الصارخ من عينيها فقلت:"رغد"
و لم أتم ، إذ أنها هتفت فجأة مقاطعة:"لا"
واجهت وقتا عصيبا مع هذه الفتاة حتى وصلنا إلى غرفة العمليات المعنية ، و خرقت القوانين بدخولي رغم عدم السماح بذلك أنى لي أن أترك صغيرتي وحدها هكذا! ؟ مستحيل و رغم المخدر الموضعي الذي حقنت به ، ألا أنها تألمت بشدة و صرخت بعنف و هي تستنجد:"وليد. . وليد. . "
كانت تمسك بي بقوة، تغرس أظافرها في ذراعيو كلّما لُمِست قدمها ، صرخت و أو عضت على أسنانها و كلما فعلت ذلك صرخت أنا بهم:"على مهلكم إنها تتألم أي مخدّر هذا ؟؟ "
أنظر إليها و أهدىء و أشجع ، و أنظر إليهم و أصرخ و أعنّف.أنظر إلى نفسي فأرى النار تكاد تندلع من أعصابي و تشب في جسدي من صراخ رغد.كم تمنيت لو أن الجرح كان في قدمي أنا في قدمي ّ الاثنتين في كل جسدي يقطعني و يحرقني و يكويني و لا أن يصيب خدش واحد حتى أحد أظافر قدمها.كم كنت قاسيا يوم جعلتها تركض حافية القدمين و عرضتها لكل هذا.أما كان باستطاعتي حملها طوال المشوار ؟؟ أأعجز عن رفع صغيرتي عن أذى الأرض.و هي التي تربت متعلقة بعنقي ؟؟ما ينفعني الندم الآن.و قد سمحت للآه بالانطلاق من صدر فتاتي.و للدموع بالانسكاب من محجريها.و للألم باعتصار قدمها و تعذيبها كل هذا الوقت.
يا رغد.إنك إن تصرخين مرة تصرخ شرايين قلبي ألف مرّة. و إن تبكين دمعة يبكي قلبي بحرا من الدم.و إن تتلوين ألما فإن أحشائي في داخلي تتمزق إربا إربا.و إن تغرسين أظافرك في بدني فأنا مغروس في حبك بعمق طبقات الأرض كلها.في نهاية الأمر اضطر الطبيب لحقنها بمخدر منوم. ثوان ٍو إذا بي أشعر بأظافرها تخرج من جسدي.و قبضتها تخف الضغط علي.و عضلاتها ترتخي.و شيئا فشيئا تسقط يديها على جانبيها و يترنح رأسها للأسفل.نزعت، رفعت رأسها و ناديت:"رغد ؟؟ "
لكنها كانت غائبة عن الوعي.التفت إلى الطبيب الجرّاح و الممرضات و قلت:"ماذا حدث لها ؟؟ "
قال إحداهن:"نامت تحت تأثير المخدّر "
لم أشعر بالطمأنينة ، قلت موجها كلامي إلى الطبيب:"أهي بخير يا دكتور ؟؟ "
قال:"نعم ، إنه مجرد مخدّر.ستنام لساعة أو أكثر.أسندت رأس صغيرتي إلى الوسادة.و تأملت وجهها ببقايا من القلق.كانت هناك دمعتان معلقتان على خديها.آخر السيل.و ببساطة مددت يدي و مسحتهما.بعد ذلك ظللت أراقب الطبيب و من معه و هم يعقمون الجرح. و حالما فرغوا قال الجرّاح: أنصح بنقلها إلى مستشفى حيث يتم إدخالها و إعطائها الجرعات اللازمة من الأدوية الضرورية لفترة من الزمن
ذهلت و تملكني الهلع ، فقلت : " لم يا دكتور ؟ ما بها ؟؟ "
قال : " الجرح ملتهب بشكل سيء نحن نظفناه و عقمناه جيدا و حقناها بمضادات السموم و لكنها بحاجة إلى أدوية أخرى لإتمام العلاج "
زاد قلقي " هل هناك خطر عليها ؟ أخبرني رجاء ؟ "
" الخشية من أن ينتشر الالتهاب أعمق من ذلك جرح عميق قدم حافية شارع طويل خطورة أكبر "
فيما بعد ، نقلت رغد إلى غرفة للملاحظة فإضافة إلى جرحها الملتهب ، هي مصابة بجفاف و انخفاض في سكر الدم كانت غرفة صغيرة حاوية على سريرين تفصل بينهما ستارة قماشية لم تحس رغد بالدنيا من حولها مذ حقنت بالمخدر وضعناها على السرير
و استبدلت الممرضة قارورة السائل الوريدي الفارغة بقارورة أخرى أكبر حجما ثم انصرف الجميع تاركينها نائمة و أنا جالس على مقعد إلى جوارها.كانت هادئة جدا.و غارقة في النوم لأبعد الحدود.كطفل بريء رؤيتها هكذا قلبت في رأسي ذكريات الماضي.كم و كم من المرات.كنت أتسلل خلسة إلى غرفة طفلتي ألقي عليها نظرة و هي نائمة بسلام.و أحيانا أجلس بقربها و أداعب خصلات شعرها . و في أحيان أخرى.كنت أطبع قبلة خفيفة على جبينها و أهمس في أذنها : " أحلاما سعيدة صغيرتي "
لم أحتمل ألم هذه الذكرى . انطلقت دموعي رغما عني . شاقة طريقها النهائي إلى الموت.لو كان الزمان يعود للوراء تسع سنين فقط.تسع سنين فقط.لكنت اقتربت من صغيرتي أكثر.و أخذتها بين ذراعي . و ضممتها إلى صدري بقوة . بقوة أواسيها أشجعها أشعرها بالأمان و الطمأنينة و الحنان و الحب بالدفء و الحرارة.آه لو يرجع الزمان للوراء آه لو يرجع و فيما أنا أبكي في نوبة الذكرى الجنونية هذه ، طرق الباب ثم أقبلت إحدى الممرضات تقول : " معذرة هل اسمك السيد وليد شاكر ؟؟ "
مسحت دموعي بسرعة و هببت واقفا مجيبا : " نعم "
قالت و هي تنظر إلى بشيء من الاستغراب : " هناك رجل عجوز يسأل عنك في الخارج "
و تذكرت لحظتها إلياس و اتفاقي معه !
خرجت معها فرأيت العم إلياس يقف عند الممر ما أن رآني حتى بادر بسؤالي عن حال قريبتي " الحمد لله.. ستتحسن "
قال : " هل تحتاج للبقاء هنا ؟ "
" أنا آسف لأنني عطّلت مشاغلك يا عمي ، إنها تتلقى سائلا وريديا الآن و قد يطول هذا لساعة أو ربما أكثر"
قال : " لا بأس عليكم أ هناك ما تود مني فعله يا بني ؟؟ "
" شكرا لك عمّاه ، فعلت الكثير أرجوك انه مشاغلك و أنا سأبقى معها لحين تحسنها سأستقل سيارة أجرة أوأتصل بكم حين فراغنا "
و على هذا افترقنا . عمدت إلى هاتف وجدته أمامي فاتصلت بمنزل نديم و اطمأننت على دانة، و التي كما أخبرت كانت لا تزال نائمة !
عدت من ثم إلى صغيرتي فوجدتها كما تركتها ، نائمة كالملاك.غير أنها رفعت ذراعها فوق الوسادة ، في وضع اعتقدت أنه يعيق جريان السائل الوريدي إلى عروقها.لذا اقتربت منها و ببطء و هدوء و حذر شديد حرّكت يدها و مددت ذراعها إلى جنبها
في هذه اللحظة فتحت رغد عينها نصف فتحة .فوقعت في أمري و تسارعت ضربات قلبي فجأة.دافعة الدماء إلى وجهي بعنف و غزارة ! تركت يدها تنزلق من بين أصابعي خجلا.
رغد قالت بصوت خفيف غير طبيعي :"وليد أنت لم تُضِع الميدالية أليس كذلك؟؟"
اضطربت و لم استوعب ما قالت
قلت : " ماذا ؟ "
لكن رغد أغمضت عينيها و بدت غارقة في النوم !
" رغد؟؟ "
لم تجبني ما جعلني استنتج أنها ربما كانت تحلم و أنها لم تكن واعية و أنها لن تتذكر هذا !
الحمد لله !
ضبطت البطانية لتشمل ذراعها تحتها و عدت إلى مقعدي المجاور
مرت الدقيقة بعد الأخرى شعرت بالإعياء وعاودتني الأوجاع الجسدية التي تجاهلتها منذ نهوضي على صوت رغد هذا الصباح
و غزاني النعاس و النوم سلطان على من لا سلطان عليه !
كأنني أحلّق في عالم جميل أطير فوق السحاب في قمة الراحة و الاسترخاء لا ألم لا ضيق لا شيء سوى شعور بالدغدغة في داخلي ! فتحت عيني لأرى الجنة التي أحس بنفسي أنعم فيها.فرأيت جنة مختلفة لا تتفق و الشعور الجميل الذي أحسه أنام على سرير أبيض الألحفة.تحيط بي الستائر البيضاء.و تتدلى قارورة ما من أعلى عمود ما.موصولة بأنبوب طويل ينتهي طرفه الثاني داخل وريدي ! جلست بسرعة أتلفت من حولي إنني في المستشفى راقدة على سرير المرض !متى وصلت إلى هنا ؟؟ كيف وصلت إلى هنا؟؟ أين وليد ؟؟ أصابني الروع ، دفعت باللحاف بعيدا عني و قفزت من على السرير .و طأت الأرض مرتكزة على قدمي المصابة ، فشعرت ببعض الألم .سحبت ذلك العمود الحديدي ذا العجلات معي و سرت خطوة و أنا حافية ، و فتحت الستارة.كنت أتوقع رؤية وليد خلفها.لكنه لم يكن هناك تزايدت خفقات قلبي و تزاحمت أنفاسي و هي تعبر مجرى هوائي.توجهت إلى الباب مسرعة ، أعرج بشدة. و فتحته باندفاع. و صار مشرعا أمامي كاشفا ما بعده .ممر غرف انعطافات أناس يمشون إلى اليمين ، و أناس إلى الشمال و ممرضة تقف في الجوار تنظر إلي و تتحدث إلى طبيب ما آخرون يقفون على مبعدة أناس كثر كثر ألا أن وليد ليس من بينهم كدت أنهار كدت أصرخ كدت أهتف لكن الشهقة التي انحشرت داخل صدري حُبست عن الخروج الممرضة و الطبيب الآن يقتربان نحوي أنا أتراجع داخل الغرفة يصلان عند الباب و يوشكان على الدخول.
تبتسم الممرضة و تقول :" هل أنت أفضل حالا الآن ؟؟ "
يسأل الطبيب : " كيف تشعرين ؟ "
أنا أنظر إليهما بذعر يداي ترتعشان و رجلاي أيضا أفقد توازني و أقع أرضا و ينشد الأنبوب الموصل بوريدي خارجا من يدي و يترنح في الهواء راشا السائل من حولي .الممرضة تنحني مادة يدها إلي.أنا أصدها و أصرخ : " ابتعدا عني "
يتبادلان النظرات ثم يقولان معا :" أ أنت بخير ؟ "
أنا أصرخ مستغيثة : " وليد .. وليد "
يتبادلان النظرات ، ثم تقول الممرضة و هي تشير بيدها نحو الستارة :" قريبك هناك ! "
التفت نحو ما أشارت إليه ، السرير الثاني في الغرفة و شبه المحجوب بالستارة.أنظر إليها، ثم أحاول النهوض و جسدي ترتجف
تحاول هي مساعدتي فأصرخ : " لا "
أهب واقفة قافزة نحو الستارة أمسك بها و أفتحها باندفاع فتقع عيناي على وليد نائما فوق السرير " وليد ! "
اقتربت منه أكثر و أكثر و هتفت : " وليد "
وليد لم يفق ، أمسكت بكتفه و هززته و أنا أناديه لأوقظه وليد أحس أخيرا ، و فتح عينيه و نظر إلي الذعر كان محفورا على وجهي مما جعل وليد يجلس بسرعة متوترا و يقول باضطراب : " صغيرتي ماذا جرى ؟ "
بجنون التصقت بذراعه و أنا أرتجف خوفا كنت خائفة حد الموت
صرخت بوجهه : " لماذا تركتني وحيدي ؟ "
و قفزت دموعي من عيني " لماذا وليد ؟ إنهم يريدون إيذائي لماذا تتركني وحدي ؟ "
وليد أمسك بيدي و حاول تهدئتي : " بسم الله الرحمن الرحيم ، صغيرتي أنا هنا معك "
نظرت إليه وسط الدمع و صرخت : " لماذا تركتني وحدي ؟ "
" أنا هنا رغد معك ! غلبني النعاس فنمت على هذا السرير لا تفزعي أرجوك "
قلت مجهشة باكية : " أنا أخاف من البقاء وحيدة متى تدرك ذلك؟ لماذا تبت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مني عبد المتعال
 
 
avatar

الموقع : الخرطوم
عدد المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 31/01/2011

مُساهمةموضوع: رد: انت لى (حلقات متواصله)   الأحد 05 فبراير 2012, 3:55 pm



شكرا دكتورة عايدة علي هذا الاهداء و لكن عيوني وجعتني من القراءة ههههههههههههه


تسلمي goldy4
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بايعة الكسره
 
 
avatar

الموقع : khartoum
عدد المساهمات : 749
تاريخ التسجيل : 16/03/2011

مُساهمةموضوع: رد: انت لى (حلقات متواصله)   الأربعاء 08 فبراير 2012, 10:07 am

تحياتى
الاخت منى شكرا على المرور عيونك بس اللى وجعتك ههههه انا يدي وجعتنى القصة طويلة ومتجددة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
انت لى (حلقات متواصله)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكة مراغه الأصاله والتاريخ ::  القسم الثقافى -
انتقل الى: